علي بن محمد التركه

تقديم 13

شرح فصوص الحكم

مسألة التشبيه والتنزيه وإنما الخطأ أنّ القوم غلطوا في التوسل إلى وسائط توصلهم إلى الله وتشفع لهم عنده . ولا شك أنّ الله جعل برحمته في العالم وسائط - وهم الأنبياء والأولياء المحقّون - يقرّب التمسك بهم وإطاعتهم وحبهم منه تعالى ، وبالتالي سيكونون شفعاء بإذنه تعالى في الآخرة لمتابعيهم ولكن عبّاد الآلهة والأصنام أخطئوا في تشخيص المصداق ، واعتقدوا صحّة ذلك في حقّ من يسمّونها من الأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها ويقدّسونها وكانوا يقولون * ( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله ) * [ 10 / 18 ] . فالأنبياء أظهروا خطأهم ودعوهم إلى طاعتهم وعبادة الله الواحد وذكَّروهم أنّ الأصنام والآلهة * ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ الله بِها من سُلْطانٍ ) * [ 53 / 23 ] . وكانت دعوة نوح وجميع الأنبياء عليهم السّلام - بما فيهم النبي الخاتم صلَّى الله عليه وآله - إلى هذه الحقيقة الواضحة ، والقوم بما ران على قلوبهم واعتادوا بمتابعة الآباء من غير تحقيق - وأنهم كانوا لا يعقلون - تصامّوا عن الاستماع إلى الأنبياء وانكبّوا على أصنام لا تضرّ ولا تنفع ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . فأين هذا من قول ابن عربي : « لو أن نوحا صلَّى الله عليه وآله جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه » وأن ما جاء به كان فرقانا والأمر قرآن ، وذلك مختص لمحمد صلَّى الله عليه وآله ، ولذلك أجابوا دعوته ولم يجب قوم نوح دعوة نبيّهم ! ! فهلا نأخذ بعين الاعتبار أن الآلاف من عبّاد الأصنام وكفّار قريش الذين كانوا معاصرين لرسول الله صلَّى الله عليه وآله - وسمعوا بنزول القرآن وآياته - لم يستجيبوا دعوته صلَّى الله عليه وآله وأسلموا نفوسهم للبوار والهلاك ، مثلما ظهر من قوم نوح عليه السّلام . على أنّا إذا تدبّرنا فيما حكاه الله تعالى عن نوح عليه السّلام في الكتاب الكريم رأيناه في دعوته جامعا بين التشبيه والتنزيه كما يصوّره ابن عربي ، قال الله تعالى في سورة يونس : * ( واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِه يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ من أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله وأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ من الْمُسْلِمِينَ .